الأربعاء، 8 فبراير، 2012


 ديوان "نيفين"
 بين جنون العظمة
 وهمس الحنين*

مقدمة:
يقال أن بين العبقرية والجنون شعرة ... ويُقال أيضاً : " أن العقلاء يعملون على تكييف أهوائهم والظروف ، بينما غير العقلاء يعملون على تكييف الظروف مع أهوائهم ، لذلك كانت الحياة في تطورها مدانة في كثير من الأحيان لغير العقلاء "!!
هذه الأقوال ذكرتنا بها قراءتنا لديوان الشعر "نيفين" للشاعر أو بالأحرى للفيلسوف المتشاعر الدكتور سعد صلال العراقي ... فهو بذاته يصف شخصيته في ديوانه بقوله :-
"بالضبط لا أعرف ما أريده
شخصيتي كمرجل مخدر


كعاقل يعيش في جنون
يغلي من الداخل بالجنون

والدكتور سعد صلال – لمن لا يعرفه – هو نفسه صاحب ذلك الكتاب المثير في عنوانه ومعناه "الأنانية أخلاق العظماء" الذي سيلقي – كما سنرى – بظلاله القاتمة السوداء ، ويسحب منطلقاته ورؤاه على هذا الديوان فكراً وروحاً وقيماً أيضاً. فهو هنا مرة أخرى يظهر لنا ويتبدى كشخصية أنانية مزاجية متقلبة الأهواء و الفكر ، لا يطرح رأياً حتى يأتي برأي مناقض له ومغاير ، لا تعلو البسمة محياه حتى يربدّ وجهه بالعبوس ، ولا يبعث الأمل المرتجى حتى يغتاله في النفوس .
حكيم واضح المعنى في شعره أحيانا ، يذكرنا بوضوح وحكمة إيليا أبو ماضي :  " بعض الوجوه عبوسة بحياتها        وجماجم بمماتها تتبســم "
غريب الأطوار والأفكار أحياناً أخر :
" أجمل ما في العاقل النزوة         وخير ما في الفرس الكبوة "
غامض غموض الليل البهيم في بعض الأحايين ، فتغدو أبياته جثة هامدة لا نبض فيها ولا روح ، مجرد مصفوفة من التفعيلات والطلاسم :
"إبناً وبنتاً ، أخا وأختاً هنا وهنا          ما أنظف الحاء لولا أنها جيم "
معتد بنفسه فخور بها إلى حد السذاجة والهوج ، حين يرى أنه الكون وأن لا خير في الكون لأحد من بعده :
"أنا .. أنا الكون ، إذا عشت هنا              ولا خير في كون لمن بعدي يكون " "وتلك نرجسية تذكرنا بأبي فراس الحمداني وقوله الشهير :
"إذا مت ظمآناً فلا نزل القطر "
وهو الدونجوان والعاشق الولهان حيناً ، يرى الحياة نعيما في معاقرة النساء ، وإلا فعيش الجحيم .
"والحياة إما نساءٌ           أو على جهنم أولى"
وهو حيناً آخر ، يخشى الهوى ، ولا يرى في المرأة غير أفعى .
"قابلتها عرضــا وفلسفتي
"مثل كل النساء تحتاج دهراً



تخشى الهوى بل ضد من يهـوى "
لرضاها وهي في النهايـة أفعـى"


    وليس من الصعب الاكتشاف بأن حياة هذا الشاعر مليئة بالصراع والخصام ، له في كل ساحة صولة وجولة وصدام ، فأترعت– فيما يبدو – خيبات  الرجاء كأسه  ، وضيقت عليه نفسه ، فلفته الوساوس والظنون وطبعت فكره ورؤاه بالسوداوية والأنانية ،بل وبالسادية أحياناً ، لذا نراه في نثره وشعره كثير القدح والقذف والهجاء :
"حياتي هجاءٌ .. والهجاء إذا مضى      طويلاً مع التكرار فهو مديحٌ "
ولا نرى ذلك معه إطلاقا ، بل الهجاء فكر المفلسين العاجزين عن لغة الحوار ومقارعة الحجة بالحجة ، ومن اعتاد الهجاء سيأتيه يومٌ لا يجد فيه من يهجوه ، فينقلب السحر على الساحر ويهجو نفسه ، كما فعل ذلك الحطيئة  من قبل ، فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله .
ولكن هذا الشاعر الفيلسوف أو الفيلسوف المتشاعر في الجانب الآخر له قدرة فذة في بعث الوهج ونفخ الرماد عن الجذوة الكامنة في أعماق قارئه ، فيضرم – بغرابة وطرافة أفكاره وأطروحاته- النار في العقول ،  ويلهب الخيال عندها كما يلهبُ الأضدادَ في الحرب دقُ الطبول .
ذلك ما فعله معي عند قراءتي لكتابه "الأنانية أخلاق العظماء " فكانت لي معه وقفة مطولة أخذتني بعيداً وبعيداً جداً في مسارب الفكر ومشاربه المختلفة ، و هاأنذا مرة أخرى أعيش معه  الحدث ذاته لدى قراءتي لديوانه "نيفين"  ، ففيه الكثير الكثير من الموضوعات الجادة المبتكرة ، والخيالات المجنحة الشاردة التي تستهوي الواقف عليها ، معانقتها والتأمل فيها والتوقف عند منعرجاتها ومعارجها ، وبالتالي محاورتها الحوار الممتع  الهادف البناء .
المرأة ذلك الشيطان الساحر:
ليس من أمر يقض مضجع هذا الشاعر كالمرأة ، وما من شيء شتت عقله وبعثر فكره وجعل مشاعره كغصن في مهب الريح ، نهباً للوساوس والهواجس والظنون كالمرأة ، وكأن بينه وإياها ثارات بني عبس وذبيان ، فهو لا يكاد ينأى بنفسه عنها حتى يعود إليها ويرتمي ليس في أحضانها فحسب بل وعند أقدامها ذليلاً متوسلاً طالباً منها اللطف والعفو والغفران ، ولا يكاد يهجوها ويقذفها بأقذع الصفات والألقاب ، حتى يتملقها ويجزل لها المديح بأفضل الخلال والخصال . فهو في قصيدة له بعنوان "المرأة الصالحة" يرسم صورة هزلية ساخرة لها تبعث على الرثاء والابتسام في آن معاً ، صورة ربما عكست - في الجانب الآخر – شيئاَ عن طبيعة العلاقة المضطربة التي حكمت سيرته مع المرأة في حياته الخاصة و العامة .
"إيه يا حواء ... بالمرأة ضلع
أعوج مذ خلق الله صراطاً
فمتى يسعد بالمرأة زوج
كلهن ، المال والجاه وبيتٌ
إلى أن يقول:
وأبشروا عدلاً بحب وزواج
وإذا ماجت فللخيل صهيل
وإذا أزبدت ، اهتزت جبالٌ
إنما المرأة حربٌ وسلامٌ


أعوج ملت به الحداد نارُ
مستقيماً ، .. والمحيطاتُ بُخارُ
ومتى يهدأ بالمرأة جارُ
وبناتٌ وبنين وشِجارُ

مثلما بُشِّر بالقطة فأرُ
وإذا هبت فللحرب غبارُ
وإذا انقضت فلا يجدي الفرارُ
وشعار المرأة الإنصاف عارُ

ولكن مع كل تلك السخرية اللاذعة وقناعاته السلبية عن النساء ، نراه في مكان آخر يتزلف لهن ويتذلل إلى حد استعداده لبيع أعضاء جسده لهن بلا أدنى ثمن .
" أبيع لهن أعضائي فهل من             فتـاة دون أجر تشتريني "
بل ويقيمهن في نفسه مقام الهواء من الرئتين :
" والنساء في رئتي ... دونهن أنقطع."
 لذا لا أعتقد أني سأجانب الحقيقة كثيراً لو تجرأت بالقول بأن في أعماق هذا الشاعر ترسب بقايا هزيمة لحقت به مع امرأة تمناها ذات يوم فكان – فيما يبدو- نجم الثريا أقرب له منها ، برغم الدونجوانية التي يتمتع بها أو يدعيها ،تجربة عاطفية فاشلة ولَّدت في أغوار نفسه عقدة الإضطهاد والشعور بالنقص إزاء المرأة  ، ذلك ما يرشح عنه أو يوحي به البيت الذي يقول فيه :-
"سوف لن ترتضي بمثلك حتى           لو أشعلت الأصابع العشر شمعا "
فشاعرنا في هذا البيت سقط سقطة لغوية لا أحسب أنه قد حسب لها حسابا ، فثمة فرق كبير بين الفعلين "يرضى" و "يرتضي" ؛ "فيرضى" فعل يدل على القبول أو التسليم والإذعان طواعية لأمر ليس فيه انتقاص أو مذلة للشخص الفاعل ، في حين أن "يرتضي" هو فعل يدل على الخنوع والخضوع والإستسلام طواعية أيضا ولكن لأمر فيه الضعة و الهوان للشخص الفاعل وبالتالي فإنه بقوله : وهو يناجي نفسه- "لن ترتضي بمثلك" قد وضع نفسه – تلقائياً- في مرتبة أدنى منها ، ورفعها في المقابل إلى مقام أسمى منه وأرفع ، فهي تربأ بنفسها عنه ولا ترتضي إقامة علاقة معه ،كونه أدنى منها منزلة أو جاهاً ومقاماً.
على أن شاعرنا في موضع آخر من ديوانه يحاول الدفاع عن نفسه ويسعى لتبرير ضعفه وانهزامه أمام المرأة وجمالها الانثوي ، بقوله :-
"وأعتى طغاة الأرض قد تلتوي له
ومنهن نشكو أم عليهن نشتكي


ذراع بها والحسن أعتى من القهر
ونحن ضحاياهن في آخر الأمر

       وكأنه بذلك يقول: إن يكن ثمة ضعف لديه أو خضوع للمرأة ، فلا عجب ولا عتب ، فأعتى طغاة الأرض لا يستطيعون الصمود أمام مغريات الأنثى وجمالها الآسر القاهر ، فهو يرى بأن الرجال مهما عظم شأنهم وشأوهم أو كبرت سطوتهم وهيبتهم يبقون في حقيقة الأمر ، وآخر المطاف غريزياً وبالفطرة  ، ذلك التابع الخانع ، لذلك الكائن اللدن الجسد ، الضعيف البنية  ، غض الإهاب ،  المسمى بالمرأة ، وبالتالي فإن الرجال هم ضحايا النساء وليس النساء –كما يُشاع- ضحايا الرجال . وهي صورة أو وجهة نظر ليس من الصعب إيجاد نظير لها في تراث الأدب العربي أو العالمي حتى   ، فهذا مثلاً ، يزيد بن معاوية ، ثاني خلفاء بني أمية ، في قصيدته الدالية الشهيرة التي مطلعها :-
"نالت على يدها ما لم تنله يدي        نقشاً على معصم أوهت به جَلَدي"
يقول :
"سألتها الوصل ، قالت: لا تُغَرُّبنا
فكم قتيل لنا في الحب مات جوىً
قد خلفتني طريحاً وهي قائلــة

من رام منا وصالاً مات بالكمد
من الغرام ولم يُبدي ولم يُعــدِ
تأملوا كيف فِعْلُ الظبي بالأسـد"
       فالأسد ذلك الوحش الكاسر ، أنظر إليه كيف خلفته الظبية الضعيفة الجسد ، طريحاً في الفراش عليلاً خائر العزم والقوى ، وانظر إلى قهرها له وسطوتها عليه حين يقول أيضا :
"قالت لطيف خيال زارني ومضى
قال : خلفتُه لو مات من ظمأٍ


بالله صفه و لا تنقص ولا تزد
وقلت
ِ : قِفْ عن الورود الماء لم يرد"
       فهو لن يرد الماء ولن يشربه حتى وهو مشرف على الموت ظمأً إن هي أمرته بألاّ يرده ولا يشرب منه . ومثل تلك الصورة نجدها عند شاعر آخر، نراه مذهولاً من الحال التي صار فيها أو عليها ، ولا يكاد يصدق ما آلت إليه حاله وهو من كان يخال نفسه بأنه الأسد الفاتك الضرغام  ،كيف له أن يقع هكذا في مذلة الأسر وهوانه بمجرد لحظٍ أو طرفة عين من مُهاةٍ أو ظُبي .
"هل سمعتم أو رأيتم أسداً         صاده لحظُ مُهاةٍ أو ظُبي"
       وأية سطوة أو سيطرة وتسلط للمرأة على عقل الرجل وقلبه أكثر من تلك التي عبر عنها وصورها أبو الفوارس عنترة بن شداد العبسي في معلقته حين قال مخاطباً محبوبته عبلة :-
"ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ
فوددتُ تقبيل السيوف لأنها


مني وبِيْضُ الهند تقطر من دمي
لمعت كبارق ثغرك المتبسم

       فهو لا يذكرها فقط في لحظات الخلوة والخيال وإنما يستبد به طيفها ولا تغيب عن مخيلته حتى وهو في أحلك اللحظات ، لحظات القتال والنزال ومقارعة الأبطال ، الذين أثخنوا جسده بالجراح  ، وصارت تقطر من دمه سيوفهم والرماح ... لقد هانت عليه الآلام ونسي الموت الزؤام الذي يحدق به من كل جانب ، وانصرف عقله وخياله لتلك السيوف التي تتناوشه ، لا لصدها أو كسرها بل لتمني تقبيلها لأن بريق لمعانها ذكره بثغر حبيبته المتبسم المنبلج عن شعاع كشعاع الشمس المنعكس على صفائح السيوف .
       ولعل الشاعر الأموي جرير كان أدق من عبر عن إشكالية العلاقة- اللغز هذه بين الرجل والمرأة في أبياته الشهيرة التي وصفت بأنها أصدق ما قالته العرب في الغزل حين قال :
إن العيون التي في طرفها حور
يسلبن ذا اللب حتى لا حراك به


قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وهن أضعف خلق الله إنسانا

       تلك هي المرأة ؛ بطرفها الأكحل وعينها الناعسة الحوراء ، تسلب اللب وتفقد العقل من الرشد ، وتقتل الرجل الفحل ولا تحييه ، رغم أنه يحسبها في نفسه أضعف ما خلق الله من بني الإنسان جسداً وعقلاً ومكانةً!!
والحق أن ما ذهب إليه هؤلاء الشعراء جميعاً بما فيهم شاعرنا الدكتور سعد صلال ، حول ضعف الرجل أمام المرأة وتبعتيه لها وانقياده لأمرها ، هو العين الصواب والحقيقة الواقعة التي لا مراء فيها ولا مناص من الاعتراف بها بعيدا عن الفهلوة الكاذبة أو المناكفة في القول والادعاء بجبروت الرجولة وهيمنتها على العلاقات الإنسانية بشتى مفرداتها والصور ، وبعيداً أيضاً عن معتقداتنا المتوارثة حول قوامة الرجال على النساء وتقديمهم عليهن، بل وإن هذه الظاهرة ، ظاهرة انقياد الذكر للأنثى وتملقه لها لا نجده في العلاقات البشرية فحسب بل و حتى في العلاقات بين كثير من الكائنات الحية الأخرى من حيوانات أو طيور وحشرات ، فكم من حروب شنها الرجال من أجل امرأة عبر التاريخ - كالحرب بين أثينا وأسبارطة – التي وصفها هوميروس في ملحمته الإلياذة بسبب هيلانة حبيبة آخيل  ، والحرب التي وقعت في الجزيرة العربية بين قبائل بكر وتغلب من جهة وتبع اليماني ملك اليمن من جهة أخرى من أجل الجليلة حبيبة كليب ابن وائل .
       وكم سمعنا أو قرأنا عن جرائم القتل وسفك الدماء بين الرجال منذ عهد الأخوين قابيل وهابيل لخطب ود امرأة ، بل وكم رأينا الصراع الضاري بين كثير من ذكور الكائنات الحية المختلفة الأخرى من أجل الفوز بقلب الأنثى وقبولها الزواج منه . وفي المقابل  قلما نجد - إن لم تنعدم - مثل تلك الظواهر و الأحداث الدامية بين الإناث من أجل الفوز بقلب رجل أو الزواج منه . وأكثر من ذلك وكدليل على ما نذهب إليه من غلبة كفة المرأة على كفة الرجل في ميدان العلاقات الاجتماعية ، لا سيما العاطفية منها ، هو أن شعر الغزل الذي قالته العرب والعجم ، على حد سواء ، كان وما زال جله إن لم يكن كله غزلاً في المرأة الأنثى لا في الرجل الذكر ، بل وأنه حتى عندما يكون الخطاب مذكراً في القصيدة ، فمقصود به المرأة لا الرجل ، مثلما جاء في قصيدة الأطلال للدكتور ابراهيم ناجي : حين يقول
يا حبيباً زرت يوما أيكه             طائر الشوق يغني ألمي
لكَ إبطاء المدل المنعـم            و تجني الغادر المحتكم
       أو كما قال عبد اللطيف البغدادي في وداع زوجته :
"ودعته وبودي لو يودعني
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحىً


صفو الحياة وإني لا أودعه
وأدمعي مستهلات وأدمعه"

       فالضمائر المستخدمة في هذه الأبيات هي ضمائر الذكورة ولكن القصد والمعنى واضح ، هو أن الخطاب موجه للمرأة لا للرجل . و "الحبيب" كلمة في العربية يفيد استخدامها لكل من الذكر والأنثى في غالب الأحيان.
       وقد يحلو للبعض تعليل ذلك أو تبريره بجرأة الرجال وحياء النساء الفطري ، ولكن الحقيقة هي أن المرأة أكثر قدرة على الاحتفاظ بمشاعرها وتوازنها النفسي والعقلي أمام الرجال ، منهم أمام النساء  ، فلا يستطيع الرجل إخفاء مشاعره نحو أي شيء يلفت نظره أو يعجب به ، فتراه يندفع نحوه ويلجّ في طلبه بكل وسيلة ممكنة لديه ، بدءاً باستخدام اللسان في أعذب الكلام والغزل ، وانتهاء باستخدام اليد للاغتصاب أو البطش والقتل . ولقد أدركت المرأة ، أو الأنثى ، حتى في باقي الكائنات الحية الأخرى ، تلك الحقيقة بفطرتها الغريزية وسخرتها بالتالي لخدمتها في "تقزيم" الرجل أو الذكر وإنزاله من عرش السلطة والسيادة وإخضاعه لها وتصييره ، وهو الفحل الهصور ، إلى طفل وادع صغير ينشد في أحضانها الدفء والراحة والأمان .
       إنه الوجه الآخر لصيرورة الأمومة وديمومتها الخالدة ، ذلك الشعور والفعل الغريزي والفطري الذي تعتز به الأنثى وتأبى بالتالي التخلي عنه بل وتستميت في المحافظة والإبقاء عليه ، لأنه الشيء الذي يعطي لحياتها طعماً ومعنى ، ولوجودها المبرر والسلوى .
الحب النرجسي
في حياة هذا الشاعر
       و للحب ، حب المرأة ، في حياة هذا الشاعر سيرة خصبة التجارب  مليئة بالمنعطفات و المواقف و الأحداث المثيرة التي كانت له في رحلة العمر محطات زاد ووقود لقطاره المسافر ، فهو في بداياته الأولى أيام ميعة الصبا و شرخ الشباب ، كان يتمنى لو يرافقه الحب حتى أواخر العمر ، ففي أحضانه الدفء من البرد الزمهرير، وفي أكنافه الفيء من الحر الهجير :
" فمن لم يحب حتى أواخر عمره        عليه سلام الله برداً و مستعر  "
و كأنه يذهب في ذلك مذهب الشاعر الذي يقول :
 " إذا أنت لم تعشق و لم تذق الهوى     
                               فكن واحداً من يابس الصخر جلمدا "
و لكن شاعرنا كالحصان الشموص ، صعب الترويض ، عصي المراس ، لا يسعى للحب سعياً  ، و لا يلهث وراءه أو يتمسح بجلبابه ، كما يفعل الكثيرون ، و إنما يرى الوقوع فيه هزيمة ليس له خيار إزاءها :
       " قالت تحب ؟ فقلت لست مخيراً      إلا بأني لا أحب سواكِ
فـتمتعـي بهزيمتي و تعلقـي     في ركبتي و بعثري أسلاكي "
و لِمَ كل ذلك الإنكار و النكير على الحب ؟ لأنه ، ببساطة شديدة ، أناني المشاعر ، نرجسي الأحاسيس و العواطف ، فهو وإن دعا للحب في ظاهره غير أنه في داخله لا يحب أحداً حبه لنفسه ، و لا يعشق شخصاً عشقه لذاته ، و ذلك ما يوصي به ابنته نيفين أن تلزم جانبه و تحذو حذوه في مستقبل حياتها حين يقول لها في مستهل ديوانه  :
" فقررت أن أدعو إلى الحب خارجاً        
                               و في داخلي ألا أحب سوى نفسي "
و لا نعجب كثيراً من فلسفته تلك ، لأنه أصلاً لا يرى في الحب أي معنى من معاني النبل و السمو ، و إنما الحب عنده مجرد نزوة عابرة ، و وسيلة لممارسة الجنس و إرواء الغريزة لا أكثر :
" فالحب أن أفعل ما أشتهي          و الحب أن أمارس الشهوة
كأنما الشيطان في داخلـي             ليس له إلا دم النســوة "
و يستبد به الشبق أحيانا ًإلى حد أنه يرى كل النساء صبايا يحركن غريزته البهيمية ، بل و يصرح  - مثل زوربا اليوناني – بأن العجائز عنده أحلى !!
             " قل إلى متى تتعالى       بينما الغريزة أعلـى
              كلهن عندي صبايا       و العجوز فيهن أحلى  "
و لكنه بعد كل هذا الطرح الإباحي الماجن ، يستفيق شاعرنا لنفسه و يفيء لرشده ، و ينتفض على ذاته موبخاً و معنفاً إياها على انفلاتها القيمي و الأخلاقي فيقول :
" و الله يدري أنني قدوة          لا بارك الله بها من قدوة  "
إنها عودة الوعي و صحوة الضمير التي تخطى بها صاحبنا ذاته الفردية ليتعداها إلى التجارب الإنسانية الألف لقوم يقولون ما لا يفعلون و يمارسون في حياتهم اليومية ما يرفضونه و يأنفون منه في مبادئهم و قيمهم الفكرية . إنه الصراع الأزلي عند الإنسان بين مثله العليا و غرائزه الحيوانية البهيمية ، بين نوازع الخير و الشر الكامنة فيه . ذلك الصراع الذي تداوله الأيام في النفس البشرية بين نصر و هزيمة لكل من طرفيه حسب البيئة أو الظروف التي يعيش فيها  أو يمر بها هذا أو ذاك من بني الإنسان .
و تمضي الحياة بصاحبنا بين خفض و رفع ، بين لهو و فرح حيناً ، و بين هم و ترح أحياناً أخر ،  إلى أن يجد نفسه فجأة في قمة الأربعين ، و يلتفت و راءه لينظر متأملاً في التضاريس التي مرت بها رحلة العمر العتيدة بين هضاب و سهول  و وهاد ،كانت بما فيها فريدة ، فيشده الحنين و النوستالجيا لتلك الأيام الخوالي و يتمناها عبثاً لو تعود ، و عندما يدرك استحالة عودة الزمن ، يستسلم لحكمه المقدر و يحاول تقبل ما هو فيه ، عملاً بمقولة  " إذا لم يكن ما تريد ، فأرد ما يكون " و لكنه في الجانب الآخر لا يتقبل ما هو فيه على علاته ، بل نراه يسعى جاهداً لتزويق الواقع و تهوين الأمر على النفس و مواساتها بالقول :
 " فأما الهوى في الأربعين و بعدها        و إلا فلا ، إن الثمالة في القعر  "
إنه خداع النفس و محاولة التسرية عنها لا أكثر من ذلك ولا أقل ، فهو يعلم حق العلم أن الثمالة إن هي إلا بقايا الكأس . و ليس في البقايا – عادة – غير الرواسب و الشوائب الغير مرغوب فيها !! أما الحقيقة الأخرى الكامنة في أعماق النفس و أغوارها السحيقة ، فهي الحسرة و الحنين لأيام الصبا و ذكريات الشباب ، و ذلك ما عبر عنه شاعرنا ذاته صراحة حين قال في جزع و تحسر على شيخوخة الدونجوان و أفول نجمه  :
" فمن كنت ألهو في صباي بعمرها
تخاطبني عمـاه ويلي وحسـرتي
فلا سامح الله الزمان إذا وفى


تخاطبني عماه والعم في خطـر
على كل عام في القضاء وفي القدر
و لا سـامح الله الزمان إذا غدر "

و هي أبيات تذكرنا في معناها بأبيات شاعر نبط عماني يقول :
" ريم صدفني و حاياني و نهمني باه
ما جيتني يوم الدهر مقبل صباه
 

ما لوّمه لاح المشيب بعارضي
و اليوم عدنا في الهوى ما نرتضي "

و يبدو أن هناك من عيرت صاحبنا بالشيب ممن هفا لها قلبه ، فحز ذلك في نفسه فقال لها مكابراً مكابرة خاسرة :
" تقولين شيباً و هو كالثلج قمةً        على جبل و الثلج ليس على الحفر "
فالثلج الذي تشبه به و تباها بتربعه على قمة الجبل ، إن هو أيضاً إلا قمة البرودة ، و البرودة رمز الموت و فقدان الشعور ، وهو لا يحتمل حرارة الشمس و لا دفء الحياة ، بل بهما يذوب و يتدحرج في هوان من أعالي القمم إلى أعمق وهاد الأرض و قيعان الحفر  !!
على كل حال ؛ لا تثريب على شاعرنا ، فتلك صورة مكررة من التجربة الوجودية الخالدة التي فرضت نفسها عبر الزمن على الإنسان ، فقيل فيها الكثير مما يبين الجزع الإنساني و هلعه من مؤشرات النهاية الحتمية لوجوده و أنسه و حياته . غير أن هناك من بني الإنسان من ناح وبكى عبثاً , و لبس ثوب الحداد قبل الحداد  ،كقول أحد الشعراء :
" ونحت على الشباب بدمع عيني
أ
لا ليت الشـباب يعـود يومـاً


فما نفع البكاء و لا النحيب
فأخبره بما فعـل المشيـب "

و لعل أبو الطيب المتنبي هو أصدق من عبر عن شعور الإنسان و ردة فعله الحقيقية إزاء هذا الضيف الثقيل الذي يلم بساحة شعره الأسود حين قال :
" ضيف ألّم برأسي غير محتشم
أبعِدْ بعِدتَ بياضاً لا بياضَ له
 

السيف أحسن فعلاً منه باللمم
لأنتَ أسودُ في عيني من الظُلَم "

و هناك في الجانب الآخر من آثر المكابرة  ، أو مقاومة الإستسلام ، وقرر في عناد طفولي أن يمضي في رسم لوحة الحياة و تلوين فصولها بالألوان الزاهية البهية إلى آخر العمر ، مثلما فعل شاعرنا ، وفعل ذلك مثله مواطنه العراقي ناظم الغزالي حين قال :
" عيرتني بالشيب و هو وقار
إن تكن شابت الذوائب مني
      

ليتها عيرت بما هو عار
فالليالي تزينها الأقمار "


فهؤلاء عرضوا للوجه الآخر من العملة أو الحقيقة التي هي أن كل مرحلة من مراحل العمر الإنساني ، لها لونها و طعمها المميز الذي يَكْلَف به المرء و لا يجد له نظيراً في أية مرحلة أخرى من عمره ، فيكون له ذلك خير سلوى و عزاء عند تقلبه في مراحل العمر المختلفة ، بدءاً بالطفولة و انتهاءً بالكهولة فالشيخوخة ، وهذا ما عبر عنه و ذهب إليه أبو الطيب المتنبي بقوله:

" خُلقتُ أَلوفاً لو أعود إلى الصبا      لفارقتُ شيبي موجعَ القلب باكيا "

فللطفولة الوداعةُ و البراءة و اللهو و اللعب ، و للصبا و الشباب النشاطُ و الحيوية و الطموح و الحب ، و للكهولة و الشيخوخة السكونُ و الإستقرار و الحكمة و التأمل . فلا غَرْوَ أن يمجد كل جيل زمانه وخصاله ، فكل امرئ من دهره ما تعودا .

الخلط بين " الحكم " و " الوطن "
في المسألة العراقية

و لأن شاعرنا عراقي الأصل و الفصل ، فأنّى له الهروب من هموم العراق و معاناته الدامية الدائمة ، وهل بمقدور الإنسان أن يهرب من جلده ؟!

لذا كانت له ، أي لهذا الشاعر إطلالة – ولو أنها عابرة قصيرة –لكنها عميقة و معبرة ، على هذا البلد الجريح المكابر ،كما يصفه  :

" الأرض تسأل و السماء تجيب       أن العراق بنفسه منكوب "

    إنها محاولة لتشخيص الأزمة ، فيرى أن العراق داؤه من ذاته  ، و مشكلته تكمن في خصوصية و تعقيد مورفولوجيا و انثروبولجيا المجتمع العراقي في أبنائه المتعددي الطوائف و المذاهب و الأعراق ، الذين لا يوحدهم قدر ما يفرقهم من الأفكار والقيم والمعتقدات التي تبنى عليها طموحات و تطلعات كل فئة من تلك الفئات الطائفية و المذهبية و العرقية ؛ تلك القنابل الموقوتة التي لا يجيد الطغاة و المستعمرون شيئاً قدر إجادتهم استغلالها و تفجيرها لتمزيق أوصال أي بلد توجد فيه ،  و تفكيك وحدة مجتمعه ، عملاً بمقولتهم اللئيمة  الشهيرة " فرق تسد " .

لذا كانت الهجرة و فراق الوطن أهون الشرور من بين البدائل المتاحة أمام الكثير من مثقفي ذلك البلد للهروب و الخلاص من واقعه المر المتفجر  ، فكانت الغربة عن وطنهم أو الاغتراب فيه قدراً مكتوباً عليهم و  قضاءاً  لابد منه : " بلد عليك قضاء ربك غربة        و عليك أن تحيا و أنت غريب "
و لكني هنا أقول – في صراحة و اختصار شديد – ما قاله أسعد طه في برنامجه " يحكى أن " الذي بثته قناة الجزيرة بعيد سقوط بغداد تحت الاحتلال  الأمريكي في التاسع من إبريل 2003 ، الذي يصف فيه الهروب المأساوي المذل لـ ( 400 ) عراقي إلى استراليا عبر إيران و سيرلانكا ، و  غرقهم قبل وصولهم أرض الميعاد ، أقول ما قاله في تلخيص تلك المأساة و تعليقه عليها :
" يُدان كل من يهجر الأوطان و يترك الحكم للطغيان و لا يزرع في الأرض المقاومة و العصيان "
بلد بلغت فيه التراجيديا الإنسانية و أشكال القهر و الكبت و الضغوط النفسية حداً صارت معه الابتسامة نوحاً و نحيبا :
" أم أنت مبتسم و شعبك ناحب          و الابتسامة في العـراق نحيب "
و مع كل ذلك ؛ كان على المثقفين العراقيين ، و على كل الغيورين منهم على أرض السواد أن يميزوا و ألاّ يخلطوا - في مشاعرهم و ردات فعلهم – بين الحكم و الوطن ، أو بين النظام الحاكم و الدولة . فتلك ثنائية لا يجوز الخلط بين مفرداتها قطعاً ، إذ الفرق بينهما جوهري و كبير جداً ؛ فالحكم أو النظام السياسي شيء متغير بتغير رموزه و السدنة الحاكمة التي لا بد لها يوماً من التغيير و الزوال ، مهما امتدت سيطرتها أو طالت بها الأيام ؛ أما الدولة ، ككيان و رمز للسيادة و الكرامة و الاستقلال ؛ و الوطن ، بكل ما توحي به مفردات الجغرافيا و المورفولوجيا و الإنثروبولوجيا و الإيكولوجيا و الأرخولوجيا المشتركة لفئة من الناس تعيش على مساحة محدودة من الأرض، فهما شيئان ثابتان لا يطالهما في واقع الحياة ، و لا ينبغي أن يطالهما في وجدان الإنسان التغيير ، مهما جار عليهما الزمان أو اشتدت بهما المحن و الإحن أو الظلم و الطغيان ؛ فليس من الوطنية بمكان ، و لا من الوعي و الحكمة ، أن يستحيل كره أي شعب للحكم و النظام ، إلى كره للدولة و الوطن ، و ليس من النبل و الشهامة أو العرفان بالجميل ، أن تُهجر الأوطان عند ابتلائها بكيد الزمان  أو بالعسف و الطغيان ، و ألاّ تُعرف أو تُؤلف إلاّ عند بُلَهْنية  العيش أو نعيم الرخاء ؛ و لا يعني ذلك قطعاً أنّ الولاء للدولة و الوطن هو بالضرورة ولاء للحكم أو النظام السياسي السائد فيه ، لأن الانتماء الوطني هو دائماً للوطن ، لا للنظام ، و الهوية السياسية للدولة ،  لا للحكم ؛ ولقد مجد الكثير من الكتاب و الشعراء أوطانهم رغم صدامهم مع الأنظمة و الحكومات السائدة فيها و قهرهم من قبلها ، فهذا – مثلاً - أمير الشعراء أحمد شوقي يحن إلى وطنه و يهفو إليه و هو منفي عنه نفياً سياسياً
" وطني لو شغلتُ بالخلد عنه       نازعتني  إليه في الخلد نفسي
علم الله لم يغب عن خيالي               لحظه ساعة ولم يخل حسي "
و شاعر آخر مثله يقول :
" ولي وطن آليت ألاّ أبيعــه          و ألاّ أرى غيري له الدهر مالكا "
و كلمة " غيري " هنا تعني غير من تربطني به المواطنة و القواسم المشتركة لأبناء الوطن الواحد ، الذين قد يختلفون فيما بينهم و يتصارعون أو حتى يتقاتلون على السلطة أو المصالح الشخصية فيه ، ولكنهم يتركون خلافاتهم جانباً، و يتوحدون معاً في وجه أي خطر أو عدوان خارجي على وطنهم ،           " فأنا وأخي على ابن عمي ، و لكن أنا و أخي و ابن عمي على الغريب ."
أو كما قال الشاعر الآخر :
" وإن الذي بيني وبين بني أبـي
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم
و لا أحمل الحقد القديم عليهمُ
   

وبين بني عمي لمختلف جـدا
وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
فليس كبير القوم من يحمل الحقدا
فالإنسان مهما توافرت له سبل العيش و السعادة في أي أرض غير أرض بلاده سيبقى ، في قرارة نفسه ، مستشعرا بالغربة و العزلة و الانطواء . و لعل شاعرنا سعد يشير لمثل هذه الحقيقة حين يقول:
" و الأرض مهما بالصدى اتسعت
لم يرتفع يوماً بالشـأن مغتـرب
 

لا صوت إلاّ الأهل يزدحم
 إلاّ إن بـه ما ليس يحتـرم
"


فما أصدق ذلك الشاعر الذي اختصر كل هذه المعاني في بيت شعره الشهير
" بلادي و إن جارت عليّ عزيزة       و  أهلي و لوضنوا عليّ كرام "
و لو أن كل بلاد عدا عليها الزمان ، وغيبها الجهل و الفقر و الحرمان ، جفاها أهلوها ، و غادروها  تاركين فيها الدار تنعي من بناها ، إذاً لحظتها سيكون علينا أن نجيب على  ذلك التساؤل المنطقي الرصين الذي طرحه شاعر تركيا الكبير  ناظم  حكمت حين قال :
" إذا لم  أحترق أنا ، و لم تحترق أنت ، و لم نحترق نحن ، فمن ذا الذي سيحيل  الظلام نورا  ؟!    



تراجيديا الشخصية العراقية

الحق أقول أني حين قرأت أول مرة الأبيات التالية لهذا الشاعر من قصيدته
" بني عليك بالقوة " أصابني الدوار ، و أحسست بمزيج من مشاعر الخوف و التقزز و الغثيان ، فقد صدمني شبح النازية أو الفاشية الذي أطل علي بملامحه البشعة من بين ثنايا القصيدة ، و هزتني برعبها من الأعماق تلك التعاليم التلمودية التي تنفث بها تلك الأبيات ، و لكني  عندما تماسكت نفسي ، و استعادت مشاعري رباطة جأشها – إذا جاز التعبير – تساءلت لأول وهلة في خيبة و غضب مكتوم : لماذا ؟!.. لماذا تصدر مثل هذه السموم و الحمم القاتلة من شاعر مرهف الإحساس ، من رجل نعرفه و لا كل الرجال الناس ؛ دماثة خلق و حسن معشر و إناس ؟! ... و جاءني الجواب سريعاً ، بل و أسرع مما كنت آمل أو أتصور ..إنه التاريخ ، تاريخ العراق الموغل في تفرده بالقهر و القسوة و العنف الرهيب . وما صاحبنا ، في نهاية المطاف ،  إلا الوريث  الشرعي لذلك التاريخ ، و ما فكره و سلوكه و معتقداته و مبادئه و قيمه ، بالتالي ، إلا خلاصة تراث و موروثات ذلك التاريخ الذي لم تتجسد شريعة الغاب في تاريخ أية أمة قدر ما تجسدت فيه ؛ فمن عهد حمورابي ، صاحب شريعة   العين بالعين و السن بالسن ، إلى آشور بانيبال ، الذي سلخ جلد غريمه الآموري حياً ؛ إلى نبوخذ نصر و السبي البابلي الأول و الثاني لليهود ، الذي قتل فيه أبناء صدقيا اليهودي أمامه ثم سمل عينيه قبل أن يقتله شر قتلة ؛ إلى الهيمنة الفارسية على أرض العراق و طغيان الأكاسرة و صنائعهم المناذرة و خاصة النعمان بن المنذر الذي كان له يوم سعد يجزل فيه العطايا ، و يوم نحس ينزل فيه ، على من يأتيه ، المصائب و البلايا ؛ إلى الحجاج بن يوسف الثقفي الذي افتتح حكمه للعراق بمقولته المرعبة الشهيرة
:
" يا أبناء العراق ، يا أهل الشقاق و النفاق ، إني أرى رؤوساً قد أينعت و حان قطافها و إني لقاطفها " و ختم حكمه ابنه الذي أمر  أن تسير جنازة أبيه على  خط مستقيم يقتلع من أمامها كل ما يمكن أن يعرقلها من بنيان أو  عمل من أعمال الإنسان ، فترحم الناس على أيام الحجاج لما رأوه من فظائع خلَفه  فقالوا فيه ذلك القول الشهير : " رحم الله الحجاج عن ابنه " ؛ إلى الأجلاف هولاكو و تيمورلنك و غزو التتار و المغول الذي لونت فظائعه نهري دجلة و الفرات بلوني الحبر و الدم ؛ إلى العهود المظلمة للخلافة العثمانية و صراعها الدموي الشرس مع الصفويين على امتلاك أرض الرافدين ؛ إلى الاحتلال الإنجليزي و حكم الملك الطاغية نور السعيد ؛ إلى صدام حسين ، الذي حكم و البلاد و العباد بالحديد و النار عبر ثلاثة عقود من الزمن .
كل ذلك التاريخ المرعب ، المتميز و المتفرد بعنفه  الوحشي و قسوته اللامتناهية التي تصل حد الهمجية و البهيمية الحيوانية ، جثم عبر العصور مثل الجبال على الصدور ، و حكم بنهجه السادي علاقة الحاكم بالمحكوم و الظالم بالمظلوم و الهازم بالمهزوم في ذلك البلد المغدور على مر الزمن  ، و حفرت معاوله ، بالتالي ، عميقاً و عميقاً جداً في ذاكرة و وجدان الإنسان العراقي المطحون ، و تركت في وعيه و اللاوعي جراحاً غائرة أفقدته آلامها المستمرة مشاعر الانتماء للإنسانية و الإحساس بالغير ، و عمقت فيه _ كرد فعل طبيعي لعوامل الفناء التي تتهدده – غريزة الدفاع عن البقاء المتمثلة  في سواد الروح الفردية و تضخم الأنا و سلوك الأنانية .
 ذاك ما زرعه صناع التاريخ في أرض العراق ، الحنظل و الزوان ، و من يزرع الشوك لا يجني العنب .
لهذا نلتمس العذر لصاحبنا الدكتور ولا نعجب كثيراً من وصاياه التلمودية الأنفاس النازية النهج حين يوصي ابنه بقوله :
تعلم بني القتال العنيـف
فإما تكن جارحاً أو تكن
و إما تكن قاتلاً أو تكن
تعلم بني " الأنا " فالأنا
و لا تندفع باحترام الجميع
و شيء من الرفض  عند القبول
و لا تتأخر بضرب الصغار
و كن أولاً ثانياً ثالثاً
بني إذن  لا  مفر لديك
         

و إلا ستصبح تحت الرداء
جريحا.. و  بينهما افتراء
قتيلاً ..و للقاتلين البقاء
على رأس قائمة  الأصدقاء
فشيء من  الاحتقار انتماء
يقلص في غيرك  الامتلاء
فمن مجهرياتنا كل داء
و لكن بلا رابع في الوراء
فإما البقاء و إما الفناء "


فليس في عقله ما يربي به ابنه غير ثنائية القاتل و المقتول ، أن يكون له الصدر و القدرة على الإذلال و القهر ، أو الموت و القبر ؛  أن يكون له البقاء مع  "الأنا " ، أو الفناء الذي لا يستحق حتى الرثاء . أما مفردات الإنسانية ، و الوطنية ، و الغيرية ، أو التضحية و الفداء ، فليس لها في قاموسه التربوي أي ذكر أو ثناء . فأية خسارة في ذلك للأوطان و الإنسان ، و أية مصيبة و بلاء تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل !!  و الأكثر من ذلك و الأخطر هو ما ولّده ذلك التاريخ القاسي و أفرزته أحداثه الهمجية من عقد نفسية و تشوهات فكرية أدت إلى كثير من الخلط و المغالطات في عقل صاحبنا و ربما في عقول الكثيرين غيره حول المعاني السامية النبيلة للتسامح أو السماحة التي قيل فيها : " يغطى بالسماحة كل عيب     و كم عيب يغطيه السخاء  "
و حول المعاني الإنسانية العظيمة و الكريمة لسلوك التواضع و التواصل و التكافل الاجتماعي ، و رأوا فيها سمات ضعف وهوان و خور ، فانقلبت لديهم المفاهيم و المبادئ الأخلاقية ليصبح الكثير من فضائلها عندهم رذيلة ، و من رذائلها فضيلة . و ذاك ما يتبدى جلياً في وصاياه التالية لابنته " نيفين "
" و احذري أن تبالغي باحترام
و لدينا معـارف ، و لديـنا
فخذي ط
يبتي و اطعنيها بحقد
فالذي يرتجي الثواب احتقار
و خذي الناس بعضهم فوق بعض
و امنعي إحساسك المهذب عنهم
إنهم من عبيدنا ، وطريف
ذرة الخير في الناس ضاعت


يا ابنتي  ، فالقطيع ناس و ناس
نكرات، و بعضنا أنجاس
طيب القلب دربه الإفلاس
و الذي يرتجي العقاب افتراس
للتغذي  كأنهم أضراس
و اقتلي ما يولد الإحساس
أن يرونا كما يُرى النخاس
و من القش عندنا أكداس "

هذه التربية الطبقية المتنفجة التي تقسم الناس قسمين ؛ سفلي تدوسه بالأقدام، و علوي تعبده كالأصنام ، هي نموذج لما هو سائد ليس في أرض العراق فحسب ، بل ولعلها في جل إن لم يكن كل الأقطار العربية ، و هي بالتالي التي أوصلتنا و أو صلت العالم العربي برمته إلى هذا الحضيض من التردي و التخلف و الهوان ؛ ذلك لما أدت إليه من تدمير لبنية المجتمع ، و تمزيق للحمته و نسيجه الاجتماعي ، الذي تمثل في سواد نزعة " الأنا " ، أنا و من بعدي الطوفان بين أبناء المجتمع الواحد ،  فتحكمت نزعة الافتراس فيما بينهم ، فصار كبيرهم يأكل الصغير ، و قويهم يقهر الضعيف ؛ فحلت البغضاء و الشحناء في النفوس محل المحبة و التراحم ، و انشغلوا ببعضهم نهشاً و فتكاً و نميمة  ، فطمع فيهم الطامعون ، فصاروا ، و صرنا معهم جميعاً ، عبيدا للطغاة و المستعمرين !!
إفلاس النخب المثقفة
و مع إقرارنا بأن ردة الفعل في كثير من الأحيان – لاسيما في المجالات الاجتماعية – كثيراً ما تكون أشد من الفعل ذاته ، فيوم المظلوم على الظالم ، كما يقال ، أشد من يوم الظالم على المظلوم ، و قد ينسى الضارب و لا ينسى المضروب ؛ نقول مع  إقرارنا بذلك ، و بالأثر العميق الذي يخلفه الظلم و القهر و الطغيان في النفوس ، و خاصة إن جاء من أبناء الوطن الواحد أو الأهل المقربين :
" فظلم ذوي القربى أشد مضاضة        على النفس من وقع الحسام المهند "
و لكنا مع كل تلك الاعتبارات ، كنا نأمل من طلائع هذه الأمة  ، من كتاب و شعراء و أدباء و مثقفين ، أن يخرجوا من هذه الدوامة أو الحلقة المفرغة من العنف و العنف المضاد ، من عقدة الثأر الذي ليس له نهاية ، أن يربؤا بأنفسهم عن هذا العبث المشين ، ويسموا بها فوق ردات الفعل و الممارسات القبلية الضيقة المقيتة ، أن يتجاوزوا الأمس بكل ما فيه محن و ضغائن ، و ألا يكونوا في فكرهم و السلوك نسخة منه طبق الأصل ، لأن الزمن غير الزمن ، و ظروفه غير الظروف ، و كان الحري بهم ، لمكانتهم العلمية و الأدبية ، ألاّ يحملوا الأحقاد ، ناهيك عن بذرها بين الناس ، إذ كما قال عنترة :
" لا يحمل الحقد من تعلوا به الرتب       و لا ينال العلا من طبعه الغضب "
كان الحري بهم ،كالتزام أدبي و واجب وطني وأخلاقي نحو أوطانهم و أمتهم،    
أن يضربوا المثل الأعلى في التسامح و التصالح ، أن يكونوا هم القدوة و حاملي الراية ، راية التغيير و  التطوير السلوكي والتربوي ، و المبشرين بمستقبل أفضل يسوده التلاحم و التراحم و الوئام بين أبناء هذه الأمة ، بعيداً عن التعصب القبلي أو  التشرذم الطائفي و المذهبي ، لأن بناء الأوطان و صنع الأمجاد لا تقدر عليه غير أمة متماسكة ، متعاضدة الأبناء ، صلبة البنيان .
غير أنه – لخيبة الرجاء و المسعى – ما نقرأه في الأبيات التالية من ضغينة و سخينة ، و ما تطفح به من أحقاد يستطير منها الشرر ، لا يبشر بالخير مع الأسف الشديد . ففي قصيدة لشاعرنا عنوانها " لن أترك العالم فارغ اليدين  يقول :
" لن أترك العالم فارغ اليدين
و لن أرى جنازتي محملة
و ليس مثلي من يموت خلسة
و  ليس في المعجم عندي ذلة
لذا فلست مؤمناً بحاجــة
ما دمت وحدي و أنا بفطرتي


إلا و لي عند جميع الناس دين
إلاّ و قد فقأت قبلي ألف عين
و ليس مثلي من يعيش بين بين
ما لم يعش سواي حتى   العظم هون
من سافـل و لا بحاجة لعـون
أعرف كيف تؤكل الكتف و أين "

بل و أكثر من ذلك نشهد انفلات الحصافة و الفكر ، و سقوط العقل و سداد الرأي ، عندما يصب جام غضبه ، و يتقيأ سخطه و نقمته فيمن حواليه بسيل من السباب المقذع و الكلام الهابط الفاحش الذي لا أخال أنه يليق أن يتلفظ به أي أديب مهما كانت نقمته أو سخطه و ردة فعله من غدر الزمان و أهله :
" و إذا الماثلون حولي حمير
" و يا بقراً ليس فيكم عقول
" و إذا سألت ألف مخنث


يتسلون و الحديث نهيق "
و يا خياركم نصف شاة "
من أنت حتى تشتكي لسوانا "

هي أبيات تذكرنا بمظفر النواب و قصيدته التي بلغ فيها هُجر الشتم منتهاه ، فصارت مدعاة للتندر في أفواه الغوغاء و الرعاع ، و دليل على إفلاس النخب المثقفة و افتقارها لأية رؤية سليمة جادة للإصلاح و النهوض ، فسقطت بفكرها في وحل المهاترات و المزايدات التي ما حركت قشة ، ولا قتلت ذبابة ؛ فما الذي سيغيره من واقع الحال قوله :
" أبناء القحبة ما أحقركم ، ما أنجسكم
إن زريبة الخنزير أطهر من أطهركم "
  إلى آخر تلك القصيدة الشهيرة .و ليس لنا هنا إلاّ أن نقول ، في ألم ، ما  قالته العرب : " ما هكذا تورد يا سعد الإبل !! " . كذلك نقول : ما هكذا يا سادتنا الأدباء يكون الفكر و الأدب !! فأحوال الشعوب و قضاياها المصيرية لا تحل بالشتم و السب ، و لا بسفساف الكلام أو أشكال العتاب و الخصام ، و إنما بالحوار الحسن الرفيع ، وبالخلق الدمث القويم الذي يجعل من كان بينك و إياه عداوة كأنه و لي حميم ... بعمل كل ما من شأنه تطهير النفوس و السمو بها فوق الصغائر و الترهات ، و جعلها في توادها و تراحمها كالجسد الواحد ، و في تماسكها كالبنيان المرصوص ... و في الإطار الفكري، بطرح  تلك الأسئلة المستعصية الصعبة ، الباحثة عن أسباب انهيار هذه الأمة وسبل النهوض بها من وهدة  الحضيض الذي هي فيه ... بمحاولة الإجابة على ذلك السؤال العتيد المتمثل في  " لماذا ؟ " و  "كيف ؟ "صار العالم من  حولنا حيث هو ، و صرنا نحن حيث نحن  !! و من ثم البحث عن الآليات التي تمكننا من اللحاق بركب الحضارة المعاصر .
 عندها و عندها فقط تستطيع أمتنا أن تخط لنفسها دروب المجد و السؤدد ، و أن تؤدي رسالتها في الحياة ، و يكون لها مكان تحت الشمس معترف به بين الأمم  .
 وحتى عندما  يأخذ الأسى منا كل مأخذ كان الأحرى بنا و الأجدر أن نقول شيئاً مثل الذي قالته ماري انطوانيت قبل إعدامها بمقصلة الثورة الفرنسية :
 " آه أيتها الحرية ، كم من جرائم ترتكب باسمك الكريم "
أو مثل الذي قاله الثائر اليمني الذي قبض عليه في زمن الإمام البدر باليمن ، و عند عرضه على الجماهير لتقول كلمتها فيه ، هتفت له بالموت ، فقال قولته البليغة : " لعن الله شعباً أردت له الحياة و أراد لي الموت " . كلام بليغ يحمل في طياته و بين ثناياه كل معاني الأسى و الألم ، و الخيبة و الإحباط ، و لكن في قالب مهذب و محكم ارتقى به إلى مستوى الحكم و الأقوال الخالدة المأثورة .
فهل سنشهد اليوم الذي سيتنزه فيه أدباؤنا و أصحاب القلم عن سقط الكلام و عن تأجيج نار الخصام و الانتقام ، و يكون بينهم و بين العامة و الخاصة حوار هادف ، بناء و مسؤول ؟!. ذاك في وقت تتصاعد فيه الدعوات في العالم لحوار الحضارات ، لا لصراعها – كما يدعو إلى ذلك هيتنجتون  -. فلنتحاور مع أنفسنا من قبل ذلك و لنتصالح ، و من ثم يكون لنا مع أمم الغير حوارنا الحضاري الرصين الذي سيفرض عليها ، بمنطقه و سموه  ، احترامه و تقديره  .

الموقف من إشكالية الفقر و الفقراء
 هل الفقر عيب أو عار و شنار ؟ ! هل هو مجرد ذل و انسحاق و اندحار ؟ و هل الفقراء عبء على الحياة ، لا يستحقون العيش و البقاء ؟ مجرد زبد و غثاء ، لا قيمة لوجودهم ، كالحشرات أو كبغاث الطير ، فليس لهم إلا الموت و الفناء ؟ . ألا يمكن أن يكون في الفقر جمر يصفي ما في النفوس من  قذى و أقذار  ، و نار تحرق ما في الحياة من رجس و دنس ؟ . ألا يمكن أن يكون لهذه الطبقات المعدمة المطحونة دور في بناء صروح الحياة ، و صنع التاريخ و الأحداث ، أكبر من دور أصحاب الذوات الأغنياء ؟.
أسئلة فرضت علينا  نفسها فرضاً بعد قراءتنا لقصيدة  "الفقراء " التي يقول فيها هذا الشاعر :
" الفقراء  دون  سـب
قيل  لماذا  ؟ قال  هـل
و هل تسمون الصعـود
و الحد  من   أرزاقهـم
إن  الضمير  أن نصفـي
و نشطب  المغفلــين
و أن  ندوس  فوقهـم
قيل لماذا كل هذا الحقد
قال بل الإجحاف أن
فالشرفـاء  إخـوة
و الفقر  فقر  النفس


كلهم  أبناء  كلــب
تعتبرون  الدود شعـب
فوق  هؤلاء  سلــب
حد كفاف العيش  نهب
ضعفاءنا  بــحرب
و المعوقين  شطــب
بذنب  أو  بدون   ذنب
فالإجحاف صعــب
يجمعـنا  بالعـار  درب
و الذئب لا يقتل  ذئب
و الغني غني النفس حسب "


و أول ما يلحظه قارئ هذه الأبيات هو الخلط الغريب بين فقراء الحال المعوزين ، المحدودي الرزق و المال ، و بين فقراء النفس الفاقدين للعزة و الكرامة الشخصية .فأبياته الأخيرة تكرار - إن لم نقل سرقة أدبية – لأبيات خالدة شهيرة هي :-
الأول " و ليس الذئب يأكل لحم ذئب      و نأكل بعضنا بعضاً عيانا " الذي هو جزء من قصيدة بدايتها " نعيب زماننا و العيب فينا " .
الثاني هو " إن الغني هو الغني بنفسه      لو أنه عار المناكب حافي " للإمام الشافعي .و لا أخاله سوى أنه أتى بذينكما البيتين في نهاية قصيدته كتغطية على سبه الجارح و كرهه المقيت و احتقاره اللامتناهي و المهين للفقراء المعوزين الذين لا يرى في الحد من أرزاقهم إلى حد كفاف العيش نهب ، و الذين ليسوا عنده جميعهم سوى أبناء كلب ؛ فيدعونا  معه لأن ندوسهم كالديدان بذنب أو بغير ذنب  .و الأغرب من ذلك أنه يرى في تلك الفعال خصال الشرفاء ، لا سمات الأوغاد الخبثاء .بل و نراه يمضي ، في غير ما حرج و لا مواربة ، في مقولاته التي تقطر سماً و حقداً و احتقاراً للفقراء ، فيقول  :
" أرى أن المساواة انتصار
و أن الجمع بين علي قوم
فخذ بالأقوياء فقط و إلاّ
و لا تشفق على من ذل فقراً


لمن ينحط ليس لمن يُهاب
و أسفلهم  نهايته  خراب
تكوم حول سفرتك الذباب
يريك أرانب و به ذئاب"


و في هذه الأبيات هي الأخرى تتراءى ظلال حكمة أبي الطيب المتنبي التي يقول فيها :
" لا يصلح القوم فوضى لا سُراة لهم        و لا سراة إذا جهالهم  سادوا  "  
 و لكن كم هو الفرق كبير بين ما في هذا البيت من حكمة بالغة  ، ومن تهذيب و منطق رصين ، و بين تلك الأبيات و ما تطفح به من تشهير و تحقير ببني الإنسان ينبو عن الذوق و لا يرتضيه  ذو الطبع السليم . و لا يسع المرء هنا إلاّ أن يتساءل في حيرة و تعجب : ترى ، أتصل مرارة الظلم و الأسى ، و الخيبة و الإحباط بالإنسان إلى هذا المستوى أو الحد الذي يتجرد فيه من إنسانيته ، و تفقده الرحمة و الشفقة من قلبه ، و تطيح من عقله برشاد الفكر و الحكمة ؟!
لو كان الأمر كذلك ، إذن لخربت الدنيا منذ زمن بعيد ، و لما كان للحضارة البشرية اليوم من وجود .
أجل ! لو عدمت الحياة الإنسانية من أهل الخير و العطف و الضمير ، و كانت كلها نهشاً و فتكاً ، و سحقاً و محقاً بين بني الإنسان ، لكان مصيرهم من قرون خلت مصير الديناصور !!
إن في مثل هذا الطرح الأعمى الحقود _ ليت شاعرنا يدرك ذلك _ إهانة بالغة صريحة لكل الأنبياء و المصلحين عبر التاريخ ؛ و استخفاف مشين و مهين  بكل رسالاتهم الخالدة العظيمة ، التي كانت – وستبقى -  كلها على اختلاف مذاهبها و مشاربها ، تدور حول مسألة جوهرية واحدة  ؛ هي كيفية تحقيق العدالة و المساواة بين الناس ، و سبل الخلاص من العوز والفقر ، و رفع الظلم و القهر عن الفئات المضطهدة و الطبقات الفقيرة  المسحوقة ..ثم أن هذه الحياة برمتها ، و في كل صورة من صورها ، من بناها و عمرها ؟. من صنع الأحداث الجسام التي غيرت مجرى ووجه التاريخ فيها  ؟ فنقلها تلك النقلات الحضارية النوعية ، من  عصور العبودية ، إلى عصور الإقطاع فالرأسمالية ؛ من  فعل ذلك غير العبيد و الأقنان ، و طبقة العمال المعدمين ؟!
من حطم الباستيل و قام بالثورة الفرنسية التي صارت للعالم أجمع في فترة من الفترات كشعاع الشمس ، مصدر وحي و إلهام لعصر العلم و التنوير ؟ ! من قام بالثورة البلشفية الحمراء في روسيا ، فكانت فتحاً جديداً سامقاً في رؤى الفكر الإنساني و طموح الحضارة البشرية و آمالها العراض ؟!.من أخرج المارد الأصفر من قمقمه في الصين غير إعصار الجماهير المسحوقة الغضبى ، وتضحيات الفقراء المعذبين ؟! ..  من .. ومن ..إلى ما لا نهاية له من أمثال ، بل و إن العملية الإنتاجية في أي حقل من حقول الحياة الإقتصادية ، هي  دائماً و أبداً من فعل و فضل تلك الفئات أو الطبقات المضطهدة الفقيرة ،  فمن أطعم البشرية غير الفلاحين ؟ و من كساها غيرهم و العمال الكادحين  و حتى في زمن الأطمطة و الحاسوب ، تظل العملية الصناعية بيد أصحاب الياقات الزرق من العمال الصناعيين .فبأي عقل و بأي منطق يجوز احتقار تلك الطبقات المنتجة العظيمة ؟
صحيح أن الفقراء في لحظة من اللحظات يبدون ككومة قش  أو هشيم و حطب ، و لكنهم - إن وجدوا الشرارة - نار و جحيم و لهب . و كما قال الشنواح  شاعر اليمن :
" ليس في العنف عيوب
و الجماهير الفقيرة
ليس فيها ما يشوب
إنما نحن عيوب و ذنوب
إنما نحن تشتتنا و تهنا
و غرقنا في بحور الأمنيات
ثم متنا
و انصرفنا للحوارات الطويلة
و النقاشات الهزيلة
                             *******************
إنهم بالعنف
و العنف المنظم للهزيمة        
بالجماهير الفقيرة و العزيمة
بالمعاناة الأليمة       
حسموا كل الصراعات الجسيمة
في فيتنام الجديدة  و القديمة        
  في ربى الصين العظيمة
و على كوبا
 أزالوا كل آثار الجريمة  "
فمن تأسى للفقراء المظلومين ، أو انفعل بأحوالهم البائسة التعيسة ، من رثى لما هم فيه من ظلم و حيف و من استكانة و مذلة ، كان الأحرى به العمل على شد أزرهم، و النفخ في عزائمهم  ، و إضرام النار في هشيمهم ، ليستردوا حقوقهم المسلوبة  من  براثن مغتصبيها ، و ليحرقوا كل ما حولهم من رجس وفساد و دنس .ذلك هو جهد المقلّ ، ممن لا يقوى على نصرتهم أو رد المظالم و الإساءة عنهم ، لا حمل الاحتقار و  الكراهية لهم .
أجل ! كان الأحرى بكل من يدعي الثورية أو الإنسانية و الوطنية  ، هو الوقوف بجانب تلك الطبقات المعدمة الشريفة ، و التضحية في سبيلها ، كما فعل ذلك آرنستو تشي جيفارا ، الذي كتب في وصيته يقول : " لا يهمني أين ومتى سأموت ، لكن ما يهمني هو أن يبقى الثوار منتصبين ، يملؤن الأرض ضجيجاً ، حتى لا ينام  العالم بكل ثقله فوق أجساد الفقراء و المحرومين  و المظلومين ".
إن الحقيقة التي لا مراء فيها و لا جدال  ، هي أن التاريخ برمته ، و الحضارة الإنسانية في سيرورتها و صيرورتها ، كانت و ستبقى إلى أبد الآبدين ،  من صنع الفقراء و المستضعفين الكادحين ، لا من صنع الأغنياء أو المنعمين المترفين . ذاك هو قدر الطبقات الكادحة الفقيرة ، بكل فخر و اعتزاز ، أن تكون – رغم فقرها المدقع  - ذلك الدينامو المحرك للتاريخ و الأحداث ، و لعجلة الإنتاج في أي مجتمع من المجتمعات . و ذاك هو ، في المقابل ، قدر الطبقات المدللة المترفة ، أن تعيش – رغم غناها الفاحش - كالطفيليات ، لا حول لها و لا قوة ، سوى امتصاص العرق ، في غير ما خجل و لا وجل ، من جبين  المتعبين . و إنها لقسمة ضيزى و لا شك ، و لكن ربما كان في تلك المفارقة العجيبة ، سر الوجود و ديمومة الحياة  !!!
الخاتمة
هو ديوان من رمل و زبد ، من ابتسامة خجلى أتت أبياته أحياناً ، و أحياناً أخرى من دمعة حرّى و غم و نكد ، فجسد بين سطوره كل تلك اللحظات و المعاني الخالدات في الحياة ، و عبر عنها بشفافية ربما كانت صادقة  بعض الأحايبن و لكنها جارحة لا ترعوي و لا تحسب لرأي الغير أي حساب . و هو ديوان تطل علينا بين ثنايا أبياته أطياف أرواح هائمة لكثير من المفكرين و الشعراء الخالدين ، فكأن بينه و إياهم معرفة شخصية و علاقة حميمة ، فتراه في بعض أطروحاته كأنه يؤمّن على ما جاءوا به من فكر  أو رأي و رؤى , وأحياناً أخرى تأخذه الدالة بعيداً  فيقيم نفسه مكانهم و ينطق نطقهم دون أي استئذان منهم أو مشورة .
 و لا غرابة في ذلك  ، فشاعرنا ، في كل ما نعرفه عنه و قرأناه له  ، من الفئة التي تحمل في حياتها شعار أبي فراس الحمداني الذي يقول :
" و نحن أناس لا توسط بيننا               لنا الصدر دون العالمين أو القبر "
 و لكنا هنا مرة أخرى نقول لو صار كل فرد أميرا ، فمن يا ترى سيرعى الشاة – كما يقال - و يسوق الحمير ؟!!
 إنها حكمة الحياة و حكم الزمن الذي ما عنه محيد ، أن يكون هناك غني  يبيع العمل و فقير  أو محتاج يشتريه بالجهد و الكد و العرق !!!! .                       

                                     زهران زاهر الصارمي     1\1 \2004          


* قراءة في ديوان الشعر "نيفين" للشاعر الدكتور / سعد صلال العراقي

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق